الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
76
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فنهى اللّه المسلمين عن أن يكونوا مثالا سيئا يقابلوا الظلم بالظلم كعادة الجاهلية بل عليهم أن يتبعوا سبيل الإنصاف فيقبلوا القود ، ولذلك قال : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ . والسرف : الزيادة على ما يقتضيه الحق ، وليس خاصا بالمال كما يفهم من كلام أهل اللغة . فالسرف في القتل هو أن يقتل غير القاتل ، أما مع القاتل وهو واضح كما قال المهلهل في الأخذ بثأر أخيه كليب : كل قتيل في كليب غرّة * حتى يعمّ القتل آل مرّة وأما قتل غير القاتل عند العجز عن قتل القاتل فقد كانوا يقتنعون عن العجز عن القاتل بقتل رجل من قبيلة القاتل . وكانوا يتكايلون الدماء ، أي يجعلون كليها متفاوتا بحسب شرف القتيل ، كما قالت كبشة بنت معديكرب : فيقتل جبرا بامرئ لم يكن له * بواء ولكن لا تكايل بالدم البواء : الكفء في الدم . تريد فيقتل القاتل وهو المسمّى جبرا ، وإن لم يكن كفؤا لعبد اللّه أخيها ، ولكن الإسلام أبطل التكايل بالدم . وضمير يُسْرِفْ بياء الغيبة ، في قراءة الجمهور ، يعود إلى الولي مظنة السرف في القتل بحسب ما تعودوه . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف - بتاء الخطاب - أي خطاب للولي . وجملة إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً استئناف ، أي أن ولي المقتول كان منصورا بحكم القود فلما ذا يتجاوز الحد من النصر إلى الاعتداء والظلم بالسرف في القتل . حذرهم اللّه من السرف في القتل وذكرهم بأنه جعل للولي سلطانا على القاتل . وقد أكد ذلك بحرف التوكيد وبإقحام ( كان ) الدال على أن الخبر مستقر الثبوت . وفيه إيماء إلى أن من تجاوز حد العدل إلى السرف في القتل لا ينصر . ومن نكت القرآن وبلاغته وإعجازه الخفي الإتيان بلفظ ( سلطان ) هنا الظاهر في معنى المصدر ، أي السلطة والحق والصالح لإرادة إقامة السلطان ، وهو الإمام الذي يأخذ الحقوق من المعتدين إلى المعتدى عليهم حين تنتظم جامعة المسلمين بعد الهجرة . ففيه إيماء إلى أن اللّه سيجعل للمسلمين دولة دائمة ، ولم يكن للمسلمين يوم نزول الآية سلطان .